الأربعاء، أكتوبر 14، 2009

عن الطفل الذي تبول في زجاجة الفنيك!

إن تدهورت صحتي الجنسية يوماً، فسيكون الفنيك هو السبب. وإن تحسنت فجأة. فسيكون الفنيك أيضاً. وسأنافس بحبات الفنيك المجفف أقراص الفياجرا عديمة القيمة.

والفنيك. للذين سيدعون عدم معرفتهم به، هو منظف قوي الرائحة، أسود اللون داخل الزجاجة. حتى إذا ألقيت بقطرات منه داخل الماء، ابيض لونه وظهرت رائحته، وسيمكن لأقوياء الملاحظة معرفة أنه يستخدم عادة في الحمامات الرخيصة والعامة، أو تلك التي يدخلها عدد أكبر من المفترض.

ولا تحتاج إلى ذكاء إضافي لمعرفة أن الحمام مغسول بالفنيك منذ ساعات، فالرائحة أقوى من أن تتم إزالتها. ولم تشكل رائحة الفنيك لي وأنا طفل أية مشكلة. إلا أنني أسمع عن أشخاص ينزعجون منها، كما أن هناك أزواج منعوا دخول زجاجات الفنيك والخمر لبيوتهم. بإعتبار الإثنين من المحرمات.

ولا أعلم تحديداً إن كان الفنيك يستخدم لتنظيف الحمام فقط، أم الأرضيات بشكل عام. لكني أذكر جيداً إني دخلت الحمام يومها فوجدت زجاجة بجوار القاعدة. وبما أني أتبول عادة واقفاً خاصة في الحمامات العامة. حيث لا يمكن أن تأمن على نفسك عواقب الجلوس مكان أحدهم. فقد تمكنت خلال فتحي لـ"سوستة" بنطلوني أن ألمح زجاجة فنيك نصف ممتلئة. وقادني شيطاني إلى خلط البول بالفنيك، ومعرفة ما يمكن أن يحدث.

كل خيالاتي كانت مركزة تجاه ما يمكن أن يحدث للفنيك. (فكرت أن ثمة تفاعل كيميائي سيحدث وستنفجر الزجاجة بعدها بفترة). لم أتخيل أن ثمة مكروه يمكن أن يصيبني. فأي إحتمال لوقوع ضرر كان سيمنعني بالتأكيد من التضحية والمغامرة بأعز وأغلى ما أملك (وقتها والآن).. عضوي التناسلي الحبيب.

كنت في سنوات الإعدادية الأولى. وكانت فكرة الخروج من الفصل أثناء الدرس خلابة، تجعل طالب فاشل مثلي يدخل الحمام في كل الحصص بلا توقف. ومظهري البدين كان يمنع المدرسين من الإعتراض. خشية أن يكون الطالب – الذي هو أنا - يعاني من مرض ما يمكن مع منعه من الذهاب للحمام أن تسوء حالته ويصبح أكثر بدانة.

وقد استخدمت بدانتي – في حالات كثيرة هذه واحدة منها – أسوأ إستغلال. يمكن فقط أن تعرف أني كنت أقضي في زيارة الحمام الواحدة عشر دقائق أو يزيد. ما أتاح لي فرصة التفكير بعمق داخل الغرفة الصغيرة المغسولة بالفنيك. وإبتكار بعض الألعاب. منها التبول داخل زجاجة.
سأجيب عن السؤال إذن وأختصر السطور، لا داعي لمزيد من الوصف، ما الذي حدث حال إحتكاك طرف عضو تناسلي صغير، مع فوهة زجاجة فنيك نصف ممتلئة؟.

لأسباب ما، تكون الأجزاء غير المكشوفة في الجسم أكثر حساسية تجاه الكحوليات، وسأعلم بمرور الوقت وبمزيد من البحث، أن الفنيك ينتمي لهذه الطائفة من السوائل، يساوي زجاجة عطر خمس خمسات التي استخدمها صديق بدين لي للتخلص من آلام التسلخات، فكان أن لزم بيته يومين يقاوم الحرقان والنار بين فخديه.

لكن للحرقان في مقدمة العضو إحساس لا يمكن وصفه ولا ينصح بتجربته، الخبراء فقط، أصحاب تجربة ممارسة الجنس أكثر من مرتين أو ثلاثة بشكل متتالي، أو أيام الثانوي حين كانت العادة السرية لعبة لطيفة لقتل الملل. هؤلاء يعرفون شيئاً بسيطاً عما يمكن أن يصيب فوهة العضو. لكن يبقى للفنيك تأثير قاتل. يكفي أن تعلم أنك ستعيش أسبوعك التالي في قلق وكوابيس، تتلخص في إمكانية أن يختفي عضوك أو يتلاشي بتأثير المادة الكحولية السوداء القادرة للتحول لللون الأبيض حال إختلاطها بالماء، أو البول في مثل هذه الحالة.

الصورة التي يمكن أن تتخيلها فتتألم، لأني بصراحة أحاول أن أؤلمك فلست من أنصار التألم وحدي فيما أصف لك حالتي. الصورة تشبه وضع قلم بلاستيك في النار، ورؤية البلاستيك الصلب يتحول إلى سائل مع إنبعاث رائحة كريهة سريعة الإنتشار. لعلك مارست لعبة حرق الأقلام خلال مرحلة لعبك خلف المكتب للهروب من المذاكرة أيام الثانوي. على كل حال ضع عضوك مكان القلم، وتخيله يسيح أسفل شمعة بريئة تقف على سطح مكتبك.

رأيت وجهي للمرة الأولى أحمر، لم يكن محمراً أو يملأه الدم. بل كان أحمر.. لا يوجد وصف مناسب أكثر من ذكر اسم اللون. الدم الساخن انتشر في كل مكان داخل جسدي، وأمسكت عضوي جيداً للتأكد من أن الدم لا يخرج منه. يمكن أن أعترف أنها اسوأ لحظات خوفي على الإطلاق. كانت فكرة عودتي للفصل دون عضو (ثم استكمال الحياة بهذا الشكل) أسوأ من أن يحتملها خيال طفل مثلي.

عدت للفصل بعد إنتهاء الحصة، أو قبل نهايتها بقليل، وبررت للمدرس غيابي بإسهال أو إمساك. وساعد مظهري العام ووجهي المجهد، في إقناعه بأني لست بخير. وأمضيت باقي اليوم بأرجل مفتوحة، أفكر في غبائي وجنوني، وأذكر نفسي بمشهد سابق قريب، حين أردت أن أفهم معنى كلمة "كهرباء" فوضع أصبعي بين طرفي فيشة المكواة، ووضعت الفيشة في الفتحة، وتركت أقدامي دون حذاء، وفهمت معنى الكلمة مرتين. مرة بالتجربة، ومرة بشرح عملي من أبي خلال علقة تالية.

في العام التالي، وبعد تجاوز أزمة الفنيك بسلام. وبقاء فقط بعض الهواجس. وحين كنت قلقاً من تأخر بلوغي. رغم أن أقراني لم يبلغوا بعد. فقد كان مشهد الفنيك حاضراً. خاصة وأنه مع فصل الجهاز التناسلي في منهج العلوم في السنة الإعدادية الثالثة. شرح لي المدرس مواصفات السائل المنوي، وكونه أبيض لزج. ولأن التجربة أحد أسس "البحث العلمي" فقد لاحظت أن السائل لدي شفاف وكأنه مياة.. ودار حديث طويل بعد حصة علوم بيني وبين المدرس. هل كلمة أبيض تعني أبيض، أم إنه أبيض شفاف؟. وبررت حيرتي بأن أحد الزملاء حاول تضليلي وتشكيكي في لون السائل.. لكن المدرس فهم وحده وقتها أنه أمام طفل إختار ممارسة العادة السرية حتى قبل البلوغ.

وبالطبع مع التأكيد على إنه "أبيض" صريح، كما "اللبن". وأنه لزج. وباعتبار الأوصاف المذكورة لا تظهر في تجاربي، فهذا يعني أمرين. إما أن بالتجربة شيء خاطئ، أو أن الفنيك يضرب من جديد وأني أصبحت عاجز جنسياً بسبب التهور والتبول في زجاجة نصف ممتلئة بسائل أسود أفقد سائلي بياضه الذي هو مهم طبعاً أهمية غير قابلة للنقاش. كل ما كان موجوداً في كتاب العلوم كان مهماً في هذا العام.

لم يكن إحتمال أني لم أبلغ بعد مطروحاً. وظلت صورة الزجاجة في يدي لحظة التبول حاضرة. تطارد أحلامي، وتهدد مستقبلي، إلى أن أبيض السائل وحده. وأضفت إلى معلوماتي ما سيمكن تسميته بعد قليل بالـ"عادة السرية".

حكمة القصة أنه من المفيد أن تمتنع عن اللعب مع عضوك، وأن تكتفي باللعب به. هذا والله أعلم.

الاثنين، أكتوبر 12، 2009

لما بابا ينام!



(1)



إذن. لدينا "هيفاء وهبي" في أغنية أطفال جديدة. واسمها – في تكرار واضح – "بابا فين؟".

إذن أيضاً. لنؤجل الحديث عن هيفاء، ولنتحدث قليلاً عن أغاني الأطفال. مع العلم أن ذكر هيفاء والحديث عنها، ضرورة لا يجوز إهمالها.

في الأغنية المذكورة، نسمع صوت راوي يحدثنا عن بيت في قرية بعيدة. تحدث فيه كل يوم ذات القصة. والتكرار هنا للتشويق، ولإعطاء الحدث أهمية. والقصة باختصار عن طفل يعجز عن النوم وحده بسبب الكوابيس. فيطرق الباب على أمه النائمة بجوار أبيه يسألها سؤال منطقي وبديهي.. "بابا فين؟". فترد الأم – التي هي في مفاجأة سارة لأطفال الأرض "هيفاء وهبي" بشحمها ولحمها وقميص نومها الأخضر الستان رائع الجمال – "بابا نام".. فيتعجب الطفل وكأنه لا يصدق حقيقة أن أب ممكن أن ينام وفي سريره أم كهيفاء : "يا سلام". فتسأله الأم في رغبة واضحة لإنهاء الحوار : "عايز إيه؟"، فيجيب بحجة طفولية ساذجة، لا تخلو من إشارات، ومن إسقاط على نكات الطفولة التي تهتم باكتشاف الأعضاء التناسلية "عايز أدخل الحمام".

في الشريط المصور، الفيديو كليب بمعنى أدق، والذي تتجاوز مدته سبع دقائق، ويحمل توقيع "ليلى كنعان" مخرجة و"مصطفى كامل" كاتب للأغاني و"تومة" ملحناً. يمكن ملاحظة أن الطفل والأم لا يلتقيان طوال الأغنية، حيث يدور الحديث من خلف الأبواب. عدا مشهد أخير. ولعل في ذلك حكمة. أو معنى تربوي وديني، في وجوب منع الأطفال الذكور من دخول غرف نوم آبائهم بعد سن معين إلا بعد الإستئذان. وإن كنت أشك بالطبع أن هذا كان هدف فريق العمل.

أين الأب إذن؟، سؤال مشروع، بل أنه عنوان العمل كله "بابا فين؟"، ويمكن رؤية شخص يشتبه أنه الأب في جانب الصورة، ينام على جنبه ويعطي ظهره للأم – في إشارة واضحة أيضاً – ويتكلفت داخل بطانية، رغم أن الكليب يذاع في آخر شهور الصيف، ورغم أن الأم ترتدي ما يشير إلى أنه ثمة حر و"سخونة" في المكان.

غياب الأب يفتح الباب، أو يواربه لملاحظة شخصية، أرجو أن يتقبلها بعضكم باعتبارها شخصية ليس أكثر، فلا هي محاولة للتحليل أو الهجوم أو الدفاع، فقط مجرد ملاحظة يمكن تجاوزها أو تمريرها بحسب ما يعتقد كل منكم.

"بابا فين" ليست الأغنية الأولى التي تحمل الإسم نفسه. بل الثانية، ولنفس المؤلف. لا يزال البعض يذكر ثورة "بابا فين" الأولى. غناء فريق "free baby" وإنتاج "نصر محروس" وشركة "فري ميوزك". وهو ذات الشريط الذي يغني فيه "محروس" نفسه "حب بابا.. حب ماما.. على قد ما تقدر حب".. ويظهر في آخر الكليب يغني جملة بالإنجليزي يظن عدد من الأصدقاء أنها "fuck your father"..



بالعود لـ"بابا فين"، وللتذكير كانت تدور حول "عمو" الذي يتصل بالهاتف ليجيب عليه بعض الأطفال، يسألهم "بابا فين؟" فيتطوعون بحكي قصصهم الخاصة، وسؤاله ذات الأسئلة "أقوله مين.. قول له عمو.. عمو مين.. أقوله مين بيكلمه"..



والأب في الكليب ذاته غير موجود، مختفي تماماً. وسيمكن ملاحظة أيضاً أن الأم هي الأخرى اختفت في مكان ما، ولا يسأل عليها أحد. والخيال المريض هنا يسمح لصاحبه بتخيل أن الإختفاء المشترك يعني أن الأب والأم في ذات المكان. يفعلان فعلاً مشتركاً ويتركون الأطفال يلعبون بصديق الأب الذي اتصل في وقت غير مناسب كما هو واضح.

وسنضع في السياق ذاته أغنية ثالثة، تشترك مع ما سبق في كون الأب هو مركز الأغنية ومحور الأسئلة، وهي أغنية "بابا تليفون". وتنتمي المذكورة لتيار آخر من أغاني الأطفال، فهي من إنتاج قناة "طيور الجنة" الإسلامية الأردنية، لصاحبها ومطربها وممولها ومديرها ومذيعها خالد مقداد. وطفليه معتصم ووليد.

في الكليب يرن الهاتف، فيرد الطفل، فيجد صديق الأب يسأل، "بابا فين؟". فينادي الطفل أباه "بابا تليفون". فيشير له الأب "قوله مو هون". بمعنى أنه غير موجود، وأن المطلوب من الطفل الكذب على المتصل وإخباره أن الأب غير موجود. ويدور حوار شيق بين الأب والإبن، يطلب فيه الإبن من أبوه ألا يعلمه الكذب. فأطفال الإسلام لا يكذبون.



الأب في "بابا تليفون" موجود وظاهر، لكنه يتمنى لو كان بقدرته الإختفاء مثل باقي آباء الكليبات، وتختفي الأم لأسباب شرعية معروفة، وبالطبع يمكن تخيل "بابا تليفون" بلمسة "ليلى كنعان" بالتأكيد كنا سنرى أم هنا أو هناك، وغرفة نوم، وفعل مشترك. أو على الأقل كان اسم "ليلى" على الكليب سيمنح خيالنا المريض بعض البهارات، بتخيل أن الأب ينكر وجوده لأسباب تتعلق بالأم.

(2)

لماذا اختفى الأب؟. ولماذا تغني الأم وحدها هذه الأيام؟. يمكن ذكر كليب "نانسي عجرم" "شخبط شخابيط" الذي يضم عدة أغاني من الألبوم الذي يحمل نفس الإسم. والإعتراف بحقيقة أن العام الماضي شهد إطلاق ألبومين للأطفال لمطربات. فيما تجهز "شيرين" لألبوم ثالث.

يمكن للخيال المريض ذاته أن يترك لنفسه العنان، متحدثاً عن إرتباط صورة الأب بالسلطة. وغياب الأب غياب للسلطة. وغياب السلطة يعني في عقلية الأطفال الصغار (والكبار) أنه ثمة أشياء يمكن أن تحدث دون عقاب أو حساب.

وسيذكر البعض منكم مسرحية مثل "حزمني يا"، والتي حملت اسم "حزمني يا بابا" قبل أن تعترض الرقابة، التي قالت في مذكرة اعتراضها أن طلب مثل "حزمني" يتعارض مع صورة الأب الذهنية، فهو عادة غير متورط في الأفعال المشينة، ولا يجوز أن يكون على علم بما يحدث من مصائب وكوارث الأطفال.

يمكن هنا فتح فصل "التربية بالتغافل" في كتب التربية القديمة، والتي تحذر الآباء من التواجد في مكان يصنع فيه الأطفال أي شغب أو يقومون بأفعال غير سليمة، فوجود الأب بشكل عام في نفس المكان يعني موافقته على ما يحدث، وهو ما يعطي "شرعية" للشقاوة.

غياب الأب في أغاني الأطفال، يذكر بأشهر أغنية للأطفال في مصر وربما في العالم العربي، "النشيد الوطني للأطفال" كما يسميها "عمر طاهر"، "ماما زمانها جاية" للمطرب والملحن "محمد فوزي".



في "ماما زمانها جاية" يغني الأب، ويظهر في الصورة يهز المرجيحة، ويحدث الطفل عن "ماما" وكونها "جاية بعد شوية، جايبة لعب وحاجات". ثم يمضي باقي الأغنية في سرد قصص مؤثرة، "شفت الواد اللي اسمه عادل جه الدكتور وعمله إيه؟"..

ما يجعل أغنية مثل هذه غير قابلة للتكرار في زمن مثل هذا، عدة أسباب، منها على الأقل عدم وجود مطرب يصلح لدور الأب. كما أن الأب هذه الأيام مشغول لدرجة أن فكرة الغناء للطفل وهز المرجيحة فكرة أسخف من أن تكون قابلة للتنفيذ.

لكن، وبذكر الماضي يمكن أن نلاحظ أن أغنية مشهورة مثل "ذهب الليل طلع الفجر"، كان يغنيها أب أيضاً. لكن القصة داخل الأغنية عن أم. "ماما قالتله سيب القطة وخليها في حالها، ساب مدرسته ورما كراسته وراح جر شكلها، راحت القطة مخربشة إيده لما مسك ديلها، وآدي جزاء اللي ميسمعش كلمة ماما تقولها".. لكن نلاحظ هنا أن الأم تمثل "السلطة" بشكل واضح، فهي هنا لا تلعب الدور المسلي الظريف الذي يظهر في الحوار بين هيفاء وطفلها في "بابا فين". بل تبدو مشغولة بطبيخ ما أو بحديث مع جارتها. باعتبارها اكتفت بأن "قالتله سيب القطة.."، فيما كانت ستجذبه من يده بقوة وتبعده عن القطة إن كانت متفرغة له أو قريبة منه.

ومن باب الإنصاف، يمكن ذكر أغاني أطفال معاصرة كان للأب حضور بها، "محمد هنيدي" في فيلم "عندليب الدقي" في أغنية "مين حبيب بابا" للمؤلف "أيمن بهجت قمر". و"بابا أوبح" لمجموعة من الأطفال من تأليف نجم كلمات الأغاني "عنتر هلال". ويمكن وصف التجربتين بـ"الأغنية الكارتونية". فالأولى يغنيها هنيدي أشهر شخصية كارتونية في السينما المصرية. والثانية مليئة بكلمات غير مفهومة أعتاد الجمهور عليها من فنان مثل "عنتر" كما في أغنيته "أمي الحبيبة" لـ"هشام عباس" حين يقول "سلميلي يا أمه.. على البالي بالك".

(3)

إذن، هل كل هذا مدبر؟. هل اجتمع كتاب الأغاني مع ممثلي الصهيونية العالمية وتم الإتفاق على إزاحة الأب من أغاني الأطفال حتى ينشأ الأطفال وهم مفتقدين لشخص يردعهم وبالتالي يتكون جيل فاسد صايع وضايع عاجز عن تحرير الأرض المحتلة.

بالطبع لا. ما سبق كله مجرد ملاحظات هامشية تماماً. وحين نتحدث عن التدبير والمؤامرة. يصبح من الضروري الإنتقال لخالدة الذكر، صاحبة قميص النوم الأخضر، والعيون الملونة، وأطوال رموش لواحدة من أبناء جنس "الثدييات". ربة الصون والعفاف، الأم المدرسة التي إن أعددتها تبقى واد كفاءة. هيفاء وهبي فتح الله عليها في صدرها أكثر وأكثر، وللناس المسرة.

هيفاء في الكليب تطرح على الطفل سؤال وجيه، تقول "وهو ده وقته؟". وبالتركيز في كلمات الأغنية تعلم من سياق الحوار أن لحظة غناء الأغنية هي مساء الخميس. حين تسأل هيفاء "حبيبي عمل الواجب ولا اتنسى؟" فيرد "يا ماما بكرة الجمعة مفيش مدرسة". فتبادر الأم للإعتذار. فيجيب الطفل بكلمات إنجليزية منها "سوري" و"دونت وري".

هنا يمكن أن نفهم رغبة الأم في صرف الإبن بأي طريقة، كما نلاحظ "لغة الجسد" (Body language) التي يعبر بها الأب عن رغبته في النوم، وضيقه مما يحدث. وعيون هيفاء التي تركز "ليلى كنعان" عليها في كلوز آب جميل (الدقيقة 3:45)، مليئة بمعاني متضاربة، قلب الأم وحبها لطفلها بالخارج، وجسد الزوجة ووالواجب المقدس مع الزوج النائم.

بمرور الوقت، سينادي الطفل بقوة أكثر "ماما" فتقوم الأم وتفتح الباب، فيسأل ذات السؤال وقد رأى – أخيراً - قميصها الأخضر للمرة الأولى، "بابا فين؟.. بابا نام.. يا سلام!.. عايز إيه؟.. عايز أضرب له سلام". في تشجيع واضح من الأجيال الجديدة السهرانة، للجيل القديم النائم المتكلفت بالبطانية، وفي رضا من الإبن عن أبوه الذي قام بواجبات الأبوة تجاهه. وأولها.. اختيار الأم.

وأخيراً، سيكون من المهم هنا أن نذكر التشابه الواضح بين بطل كليب "بابا فين" لهيفاء، مع بطلي قناة "طيور الجنة" الأردنية "معتصم" و"وليد". في محاولة لإستخدام شعبية الطفلين الكبيرة، والتي ظهرت في العديد من الأشياء، لعل أقلها وجود ماركة شيبسي في بعض الدول العربية تحمل اسم "بابا تليفون".

ثم يبقى السؤال الأخير. إذا كان الأب سيغيب وينام. فيما تبقى أم مثل هيفاء مع الطفل. هل يمثل هذا أي مشكلة؟. باعتباري أب حالي وطفل سابق (وحالي أيضاً) لا أعتقد على الإطلاق. بالعكس "الأطراف" كلها ستكون سعيدة.

(4)

نظرة مختلفة للأمور :

الفنان الجميل "ياسر فوزي" يعيد تقديم أغنية "بابا أوبح" بلسان مشاهير الغناء المصري.



ثم فنان الإستعراض "عاطف أحمد" يستخدم صوت "ياسر فوزي" ويعيد تقديم شريط الصوت بآداء خاص.



فعلاً.. وجود الأب يفرق.

الاثنين، سبتمبر 07، 2009

حكايات الحفر

مفاتيح القراءة :

- جميع الأحداث لا تمت للواقع بصلة. وأي تشابه بينها وبين الواقع فهو من قبيل.. "إن راح منك يا عين.. هيروح من قلبي فين".

- نظراً لطول السطور التالية. يمكن التأكيد على أن البعض لن يفقد الكثير حال تجاوزها وعدم البدء في قراءتها.

- للقارئ ضعيف الملاحظة.. "العامل البدين".. هو أنا!

(1)
كانت لدينا ماكينة للحفر. وكنا جميعاً نعمل على ظهرها.

يحتاج المشهد إلى وصف تفصيلي.

الجبل السحري الضخم. الذي إذا انكسرت منه قطعة. يعود مكان الكسر كما كان، تعاوننا جميعاً. وحملنا ماكينة الحفر الجديدة لنضعها في مواجهة الجبل. ونبدأ العمل.

الحق يقال. "المعلم" هو صاحب الفكرة.. يمكن أن تقرأ الكلمة بشكلين. المعلم. المدرس الأستاذ القائد. والمعلم. صاحب المحل و"الأسطى" و"الصنايعي" الأكبر.

كنا ننظر إليه فنهدأ. نراقب حركاته وأفعاله فنتعلم. كان مشهد جلوسه على مقعد قيادة الماكينة، وإدارته للمحرك. خلاباً بما يكفي. ليقتل داخلنا أي شعور بالغيرة أو التطلع أو الحسد.

لم يكن "المعلم" قديساً ولا صوفياً زاهداً. كان معلماً بقدر ما يمكن لمعلم أن يكون. وكنا – عمال الحفر – نكره القديسين بطبعنا ولا نصدق أصحاب النفوس الزاهدة. ولعل هذا ما جعلنا جميعاً نؤكد، في البداية، أن العلاقة علاقة عمل، وأن الصداقة التي تربطنا بمعلمنا شيء. ومصلحة العمل شيء آخر. فرق كبير بين موقع حفر في مواجهة جبل، وموقع مقهى بجوار ترعة حيث نحب التدخين.

ما الذي يستحق أن يوصف في المشهد إذن؟. أقول لك. وأخبرك بداية أني العامل البدين، عادة ما تجدني جالساً على ظهر ماكينة الحفر، كانت مهمتي، الكبيرة الصغيرة، أن أواظب على مسح الزجاج الخلفي للماكينة من غبار الحفر، وفي بداية العمل، لا أخفي أني أبديت تذمري واعتراضي، حين نظرت لمهنتي كونها أبسط من أن يتفرغ لها بدين مثلي، لكن جلسة هادئة مع "معلمي" على المقهى، أخبرني فيها بأهمية موقعي وخصوصيته، غيرت نظرتي للأمور، وأكسبتني طموحاً واسعاً، في أن أكون مع الأيام أفضل من يمسح الزجاج الخلفي لماكينات الحفر. وهو أمر لم ولن يحدث.

يبدأ الحفر في منتصف اليوم. لم نكن عمالاً ناشطين. كان يروق لنا أن نأخذ قهوة صباحية في طريقنا للعمل. نتوقف قليلاً في الطريق بين بيوتنا في أطراف القرية، والجبل على ضفاف النيل قرب وسط المدينة. نشرب القهوة وندخن السجائر، نقرأ الجرائد ونتبادل أخبار الليلة الماضية، نناقش ما عرضته الفضائيات، ويمكن أن يأخذ كل عامل حظه في سرد أهم ما جاء بخناقته الليلية مع زوجته. كانت همومنا مشتركة، وأفراحنا أيضاً. كنا نتفق سريعاً – قبل القيام وإستئناف الطريق إلى العمل – على خطط السهرة. كنا نقدس السرمحة، ولا زلنا. لولا أن بعضنا سيكرهها حين يدرك – بمرور الوقت – أن عشقه للسرمحة في حقيقة الأمر كان عشقاً لصحبة العمال والمعلم. ويا لها من صحبة.

نصل للجبل ويبدأ الحفر. لماذا كنا نحفر أصلاً؟. ستطرح هذا السؤال على العامل البدين حين ترانا نحفر بتراخي واستمتاع. ستدرك أن هذا لا يمكن أن يكون آداء عمال في محجر أو جبل حقيقي. ستفهم أن في الأمر خدعة ما. وسأجيبك بكلمة واحدة. "المعلم". هو وحده علمنا الحفر باستمتاع وانسجام وتلذذ. قال، فيما قال من حكم وأقوال ومواعظ طيبة، "يا شباب. العمال في العالم كله يحفرون ويكسبون قوت يومهم بما حفرت فئوسهم. لكنا يا شباب لسنا عمالاً عاديين. نحفر لأننا نحب الحفر، لا تفرحوا إن غادرتم الجبل وقد تركتم فيه حفرة واسعة. افرحوا فقط بالحفر الصغيرة الجميلة. الحفر الكبيرة سيئة المنظر وقبيحة. وهي تؤذي الجبل وتهدد بانهياره، احفروا برفق. ارفقوا بأنفسكم وبالجبل. وابتسموا حين الحفر. فإني أحب ضحكاتكم".

أخبرك بسر. بكيت بعد كلام "المعلم" بحرقة. وآمنت به، وبماكينة حفره. كانت لدي أمنياتي الخاصة، شأن كل البدناء. لكني، وبعد خطبتين أو ثلاثة من المعلم، تصالحت مع طموحي، واخترت أن أكون مجرد عامل بدين على ماكينة حفر تحمل اسم المعلم وصورته. تصالحت مع نفسي. ورضيت بأن أهب نجاحي لمعلمي. وقررت أن حياة كالتي رأيتها بين دموعي بعد الخطبة. تليق ببدين مثلي. ومسحت زجاج الماكينة باهتمام، واختلطت دموعي بغبار الجبل، وشممت رائحتها للمرة الأولى.

(2)

ينتهي الحفر عند الثامنة. هذا يعني أن ساعات العمل الرسمية كانت ستة أو سبعة. مع حساب استراحات الشاي وصلاتي العصر والمغرب.

يجتمع الجميع فور انتهاء العمل، يختار كل عامل منا قطعة من الحجارة المكسورة. ويعرضها على المعلم، فيقلبها المعلم بين يديه. ويبدي ملاحظاته القصيرة. طوال عملي مع المعلم لم يستحسن قطعة حجر أو يثني على عامل، لكن والحق يقال، فقد كان يمتنع عن إبداء الملاحظات السيئة أو توبيخ عامل على اختياره قطعة غير مناسبة. كان المعلم يرضى. وحدثنا في طريق نزولنا من الجبل، عن كون الرضا نعمة. وعن أحلامه، أن تصبح ماكينة الحفر واحدة واثنين وثلاثة. ويرى كل عامل منا يجلس على مقعد قيادة مثله. وكنا نفرح بالأحلام، ونتغذى عليها. كنا نأكل الأحلام والحجارة، فنشبع ونبتهج، لم نكن نرى في الحجارة خشونة ولا في الأحلام ميوعة. كنا نشبع، ونأخذ للبيت ما يكفي عيالنا. وصفت ماكينة حفرنا بالـ"جنة". وشبه أحدهم فريقنا بالنادي الأهلي. ورأينا جميعاً في المعلم شخص "أبو تريكة".

تعلمنا أشياء كثيرة. راقبنا ماكينات الحفر الأخرى، تمنينا لها التوفيق، لكنا سخرنا منها في الوقت ذاته. كنا نرى الجميع يحفرون بطريقة خاطئة. علمنا المعلم، وسنعرف بعد مرور الوقت قيمة ما تعلمناه، أن إبداء الملاحظات أمر مطلوب، وأن النقد نعمة مثل الرضا، وأن موهبة إلتقاط الزوايا والصور، هي ما يميز فريقنا المتماسك.

هل قلت متماسك؟. أمنحني لحظة للتفكير... نعم متماسك. ومتماسك جداً. تحدثني عن خلافات العمال بينهم وبين بعض. تحدثني عن صوتي العالي الذي يتزامن مع الحفر. أنا أقول لك. كل العمال أخوة. والخلاف حول الحفر يا صديقي. حول تجويد العمل وتكسير عدد أكبر من الحجارة. ثم أسألك. هل علا صوتي على صوت الماكينة؟. هل توقف الحفر بسبب الخلاف. لم ولن يحدث.

كانت المقهى في المساء ساحة لقتل أي فتنة. لم تتشكل قلوبنا بأشكال الحجارة. تعرف. وهو سر سأخبرك به أنت وحدك.. تعاهدني.. تمام.. كنا جميعاً نبكي في لحظات الضيق. نبكي. نحن عمال الحفر الأشداء الأقوياء، نبكي كأطفال رضع. ونمسح دموع بعضنا. الحفر علمنا أن الحياة تستحق. وأن توقف الحفر لحظة. سيجعله قابلاً للتوقف دائماً.

(3)

وجاء من أقصى المدينة سيد يسعى..

نعرفه بهكذا اسم.. "السيد". برداء رسمي غامق اللون. وابتسامة صفراء مستمرة، وبكلمة "حبيبي" يلقيها على الجميع. وبأسماء دلع لكل الموجودين. جاء يسلم على المعلم لعلاقة صداقة قديمة بينهما. وتشاءمنا جميعاً لدخول رجل بملابس رسمية مكان الحفر. وجلوسه قرب ماكينتنا. وزاد تشاؤمنا حين اعتذر المعلم عن قهوة المساء وجلسة التدخين. فسيذهب مع صديقه القديم لمناقشة بعض الأفكار الخاصة بتطوير العمل.

صباح اليوم التالي كان المعلم يخبرنا بأن السيد سيصبح شريكاً له في مشروع استثماري كبير بجوار ماكينة الحفر، وأنه – المعلم – يشعر بقدر من التعب، وأن صديقه سيأتي لإضافة بعض الأفكار التطويرية على أسلوب حفرنا، للحصول على "أفضل إنتاج يومي". ونسينا جميعاً يومها كلام المعلم القديم عن الإستمتاع بالعمل، والتلذذ بالحفر لأجل الحفر. والترفق بالجبل وبانفسنا.

صباح يوم تالي، وبعد زيارات مستمرة من جانب السيد المحترم. كلها بالملابس الرسمية الغامقة. تم تحديد ليلة الخميس للجلوس في المكتب – وليس المقهى – لعرض ملاحظات السيد التطويرية. وسأخبرك بصراحة أني فكرت صباح الثلاثاء في مراجعة الطبيب النفسي بعد أن داهمتني كوابيس متتالية أرى فيها السيد يخلع رداءه الرسمي، يضربني بقوة ويهتك عرضي وهو يبتسم ذات ابتسامته الصفراء الواسعة، ويقول "يا حبيبي أنا بس بأطور آداءك".

(4)
وقوف العمال فوق ظهر الماكينة يلوث البيئة. ومهامهم بسيطة ولا تتناسب مع أجورهم. ويمكن للماكينة أن تعمل دون أن يكون زجاجها الخلفي ممسوحاً. وسيتم ربط الأجور بحجم ما يتم تكسيره من حجارة. لا توجد منحة شهرية ولا سنوية. ولا زيادة في الأجور. ممنوع الضحك أثناء العمل. ونحن في أزمة مالية عالمية. الكل مهدد بالرحيل. وآداء الجميع من سيء إلى أسوأ.

تلك ملاحظات السيد. فيما كان لديه قراراً واحداً. ينزل العمال من أعلى الماكينة. ويحضرون فئوساً من بيوتهم، ويحفر كل عامل بجوار الماكينة، وتحفر الماكينة أيضاً بحيث يتضاعف الإنتاج، ويصبح لكل عامل "ماكينة حفر صغيرة". تنتج قطعاً أكثر من الحجارة. ونقضي على تلوث البيئة.

لعلمك. إن سألتني عن علاقة تلوث البيئة بوقوفنا السابق أعلى ماكينة الحفر، فسأزورك في أحلامك ليلاً. وأطور أداءك. طبعاً لا أعرف العلاقة. وظني أنه لا توجد علاقة أساساً. لكن السيد كان يأتي في الأيام الأولى وفي يده مجلد ضخم بغلاف أزرق، مكتوب بالإنجليزية. كان يفتحه ويقرأ. ثم يملي علينا قراراته. فهمنا وقتها أن الكتاب ربما يحوي نصائح إدارية مهمة. ثم أخبرنا عامل زميل، بعد شهور، أنه دخل لغرفة السيد خلسة. وفتح الكتاب، وأكتشف أنه دليل قديم لهواتف المدينة.

لم يعترض أحد.. ثواني، اسحب ابتسامتك الحمقاء. ستقول أن عدم اعتراضنا هو السبب. لا يا فالح. السبب هو اختيار يوم الخميس للإعلان عن كل هذا. ويوم الخميس إن لم أكن أخبرتك من قبل، هو موعد نزهتنا الأسبوعية برفقة المعلم. يولع السيد إذن وكتابه وقراراته وملاحظاته. ولنمنح قلوبنا قليل من الفرح والبهجة. وصباح الأحد ليس ببعيد.

(5)
"تعرف تعد لغاية كام؟".. سألني المعلم. فجذبت نفساً من سيجاري ونظرت له أخبره أني "مش هرد". يعلم المعلم أن لساني ينعقد أمامه. وأن كلامه أهم من أن يقاطعه عامل بدين مثلي.

كنا نجلس على المقهى صباح السبت. وهو يوم عطلة. حدثته عن قرارات السيد. وكان على علم بها. وسألني سؤاله عن العد. ثم أضاف "أنت عارف السيد بيوفر لي كام في الشهر بقراراته دي؟". ثم قال رقماً كبيراً.. أكبر من أن أستوعبه. ثم سحب عدة أنفاس متتالية من سيجارته. وقال كلاماً كثيراً مفاده النهائي أن علي أن أنصرف مبكراً من مكان جلوسنا. فالسيد على وشك الوصول. ويفضل ألا يراني. كما أن علي أن أنام مبكراً بعد أن أجهز فأسي لأن "الحفر الفردي" سيبدأ في الصباح.

بمرور الأسبوع الأول حدث التالي. توقفت عن التدخين. وصرت أنام مبكراً ففقدت سهرات المعلم. وتم تسريح عشرة من العمال. وبناء كشك خشبي للسيد وحصل على لقب مدير الموقع. ازداد شكل قطع الحجارة سوءاً، لكن المعلم. الذي كان يحفر بالماكينة وحده. كان سعيداً أكثر، وقد حاولت الإستمرار أكثر لرؤيته أكثر سعادة.

صوت الماكينة كان أهدأ. ولأول مرة. سيعلو صوتنا على صوتها.

بنهاية يوم الخميس. أدركت أن طموحي القديم بدأ يؤلمني. وأني لست سجيناً كي أحفر بهذه الطريقة. وسمعت تغير في صوت محرك ماكينة المعلم. وتداخلت الأصوات والصور في رأسي. سقطت على الأرض. وكان السيد قد أوقف التعامل مع شركة التأمين الصحي توفيراً للنفقات. وسيكتشف المعلم. أن ما حدث مع شركة التأمين جرى مع ورشة صيانة الماكينة.

(6)

في سحور رمضاني يسألني عامل سابق. لماذا توقفت عن الحفر؟ فأجيبه بأني لم أخلق لأحفر بهذه الطريقة. وأني فقدت متعتي. يقول، ولماذا توقف المعلم رغم أن لديه ماكينته. أخبره أن الماكينة كانت تأنس لوجودنا على ظهرها. وأن محركها كان ضعيفاً وكان حملنا الثقيل يمنعه من التوقف. وأن المعلم نفسه أخبرني ذات مرة. حين اعترضت على تفاهة دوري. بعيب خطير في المحرك يجعل لوقوفي في مكاني وأنا البدين الثقيل أهمية خاصة.

أفتح علبة الزبادي وأفرغ ما بها من مياة في طبق مجاور. ثم أضيف "كنا نعمل معه.. فأصبحنا نعمل لديه.. لم يفهم أن حبنا له.. هو ما جعلنا نحتمل"..

ينظر زميلي في ساعته ويتأكد من أن الوقت لازال مبكراً قبل آذان الفجر. ويسأل : أخبار ماكينتك الجديدة إيه؟. يعلم أني اشتريت واحدة وأقودها بنفسي.

أخلع نظارتي. أفرك عيوني من التعب. أجذب شعرة بيضاء ظهرت بين خصلات شعري. أقول "لسه بدري على ما أكون معلم.. المعلم معلم يا صديقي"..

كان الفجر قد أذن. وافترقنا أنا والعامل السابق صديقي. مررت على الجبل قبل الذهاب للمنزل. لمست ماكينة الحفر القديمة. صعدت وجلست مكان وقوفي القديم.. مسحت الزجاج الخلفي.. بكيت. وأخبرتها بسري الخاص..

"المعلم وحشني قوي".

(7)

توقف الحفر.

فجلسنا جميعاً نحافظ على البيئة.

الأربعاء، سبتمبر 02، 2009

عن التقدير الإلهي للأفلام الوثائقية.
(أعمال السنة)

(1)

سألتني. "عايش ليه؟".

أخبرتها بالحقيقة. كان الوقت مناسباً للصدق. قلت "عشان أشتغل". اعتدلت في جلستها بحيث واجهت عيوني. وسألت باهتمام. "ولما تقابل ربنا يوم القيامة.. هتقوله إيه عن حياتك؟".

صدمني السؤال. ليس لأنه صادم. بالعكس. بل لأنني اكتشفت أن زوجتي قادرة على طرح هذا النوع من الأسئلة، وكنت حين قررت الزواج، أفتش عن فتاة لا تحب الأسئلة الكبرى. فكرت أن هذه مهارة جديدة لها. وأنها لم تكن تطرح هذه الأسئلة من قبل. قررت أيضاً أن أعطي لهذا التغير قدر من الإهتمام في المستقبل. فأن تسألني زوجتي سؤال كهذا في 2009. يجعلها تطرح أسئلة أكبر وأعمق في السنوات التالية. إن عشنا وكان لنا عمر.

فكرت أن أتهرب من الإجابة. لكن عيونها في مواجهة عيوني منعتني من المحاولة. فكرت في اختلاق أي كذبة صغيرة تصلح كإجابة عن السؤال الكبير. ثم أدركت أن زوجتي باتت تعرفني حين أكذب، وهذه مهارة جديدة أيضاً، أو لعلها مهارة قديمة لكني أدركتها متأخراً.

وجدت أن الفرصة قد تكون جيدة للإجابة. قلت "هقابل ربنا. ومعايا شوية إسطوانات دي في دي. وأقوله يا رب أنا عشت حياتي أعمل أفلام وثائقية. ومن وجهة نظري الضعيفة. شايف يا رب إن الأفلام دي حاجة كويسة ومحترمة وعمل صالح. لكن وأنا بعمل الأفلام دي يارب. يمكن مكنتش عبد مثالي ونموذجي. وبالتالي لو الحساب هيركز على العبادات أنا عارف سكتي إلا لو هنال رحمتك. لكن لو ممكن يتم وضع الأفلام دي جنب العبادات. أعتقد ممكن تظبط معايا شوية".

ضحكت، يبدو أن أدائي التمثيلي عجبها. قطعت ضحكتها بسرعة وقالت "أستغفر الله". رددت وراءها. سألتني "أفلامك دي زي أعمال السنة يعني؟". قلت "يعني" ثم هربت من عيونها وأزحت جسدي للخلف. وقررت أن أفتح لها جزء جديد من قلبي.

(2)

حين كنت صغيراً – ولا زلت – سمعت للمرة الأولى في المسجد فكرة أن الله يحاسبنا على أعمالنا. ولا أدري وقتها ما الذي دفعني في سن كهذا للإعتقاد أن الأعمال المقصودة ليست مجرد عبادات كالصلاة التي نقابل فيها الله 5 مرات في اليوم، أو الزكاة التي نعطي فيها للفقراء نسبة ضيئلة للغاية من أموالنا، أو الصوم، وهو مجرد امتناع عن الأكل والشرب والجنس من الفجر للمغرب. وما إلى ذلك.

قادني عقلي الصغير وقتها – ولا زال – إلى فهم أن النجار سيدخل الجنة بالأبواب الجيدة التي صنعها. وأن الميكانيكي سيدخل النار في سيارة لم يجيد تصليحها. وأن قطعة الجبن الجيدة يدخل فيها الجنة سبعة. صاحب الجاموسة ومن قام بحلب اللبن إلى الشخص الطيب الذي لف لي قطعة كبيرة بأربعة جنيهات، حين كان كيلو الإسطانبولي بثمانية جنيهات لا غير.

وبمرور الوقت. وحين بدأت خطب المسجد تتحدث عن الكفار. الذين لا يؤدون العبادات. وسيدخلون النار، مع المسلمين. الذين سيقفون أمام الله بـ"أعمال" سيئة. سألت سؤالين. الأول : "بما أن الله قرر منذ زمن أن الكفار سيدخلون النار وأننا كمسلمين سندخل الجنة، فلماذا يحظى الكفار في الدنيا بالمال والنجاح، ونحظى نحن بالعيال والكفاح؟". والثاني : "طيب. هؤلاء الكفار الذين – رغم كفرهم - ينتجون أعمالاً جيدة. يدخلون النار كهؤلاء الذين كفروا ولم ينتجوا. بالتأكيد هناك فرق؟".

ثم سؤال ثالث لم أجد له إجابة حتى الآن. شخص مثل بيل جيتس. الكافر الذي لم يسجد سجدة ولا صام إثنين ولا خميس. يدخل النار. فقط لأنه ولد لرجل مسيحي اسمه جيتس. ولأم مسيحية اسمها ليس فاطمة. ثم أصلا يمكن أن يكون "بيل" ولد وعاش وسيموت وهو لا يعرف أي كلمة عن الإسلام. لا هو درسه في مادة التربية القومية الأمريكية. ولا شاهد برنامج "حديث الروح" بعد مسلسل الثامنة وقبل نشرة التاسعة.

بمعنى آخر. هل هي مسؤليته أنه لم يعرف أن هناك دين اسمه الإسلام. أم مسؤلية هؤلاء الذين لم يكلفوا خاطرهم أن يهتموا أكثر بالكفار؟.

الأحد، أغسطس 30، 2009

عما جرى فـ "وسط البلد".


(1)

في الأيام المنطقية. تلك التي انقرضت، فلم نعد نحيا بها ولا تحيا بنا. كانوا الذين هداهم الرب يسكنون بيوته، يصلون، يؤلفون أدعية جديدة، من بينها أن ينزل الله الهداية على القوم المفسدين، الذين حرموا أنفسهم من متعة الإلتزام.

خارج بيوت الله. كانوا الآخرين. الفاسدين الذين يعلمون بينهم وبين أنفسهم أن الله موجود بالفعل، وأن الإلتزام جميل "أوي"، وأن الصياعة مكروهة في معظم الأحوال. يمارسون فسادهم دون توقف، وإن كانوا على علم أيضاً، أن إخوة لهم في الإنسانية. يسكنون بيوت الله، يدعون لهم بالهداية..

لكن فاسد ابن فاسد وقف ذات ليلة في مقهى البورصة، وقال : "إنهم يدعون للمفسدين.. ونحن لسنا كذلك.. نحن فاسدين فقط، فسادنا يسكن داخلنا، فلا ندعو له، ولا نبشر به.. لماذا نكرههم إذن؟".

في الوقت ذاته، وقف واحد من أبناء الرب، في مسجد بجوار ساقية الصاوي، وأمسك المنبر بيمينه، وفي يساره الجدول الشهري للساقية (يونيو 2004). وقال : "يا إخواني.. إن الله أمرنا أن نشيع الحب بين الناس كافة، الفاسدين ليسوا مفسدين.. يلا نلعب سوا".

(2)

على غير المعتاد، وفي ليلة صيفية اشتبك فيها الحر مع المطر والبرق، خرجت الدعوة الجديدة، وتعالت في وسط البلد أصوات أجراس الكنائس تتشابك مع صوت إمام يصلي العشاء بمسجد قريب من البورصة، يتلو بصوت ناعم.. "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا".. فيما شدت فرقة الورشة في حفل لها بالـ"تاون هاوس" تزامن مع الصلاة والأجراس "البحر زعلان مبيضحكش.. أصل الحكاية متضحكش"..


ويقال. أن الساوند سيستم في الـ"تاون هاوس" كان جيداً في تلك الليلة، بحيث تجاوز صوت الغناء مقهى التكعيبة وشارع شامبليون مروراً بميدان طلعت حرب وتمثاله، فمكتبة الشروق ومطعم "القزاز"، فممر البورصة، والمسجد في آخره.. بحيث قرر بعض الإخوة الخروج بعد الصلاة، والتوجه إلى "التاون"، لقضاء السهرة.

بحسب الشهود، فإن ما جرى ليلتها يعتبر المرة الأولى التي يحدث فيها اختراق بين الجانبين، ودارت إشاعات، أن السهرة امتدت للفجر، حتى أن بعض الإخوة فاتتهم الصلاة، في حين شوهد راقص من فرقة الورشة يصلي في خلفية المسرح.

صار بعضهم أصدقاء لبعض. الكل يسهر في وسط البلد. لأسباب أو لأخرى. العمل السياسي لا يزال مسموحاً، والليل يطوي من الأسرار ما يطوي، أسرار شباب الدعوة القديمة الجديدة، وأسرار عشاق "أفتر إيت".. والفجر في القاهرة، وسط مدينتها بالتحديد، لا يزال ساحراً، بحيث يلتقي الصديقان، فينسى كلاهما أن يسأل الآخر.. "جاي منين كدة؟".

تستمر العلاقات، يتحول بعضها إلى صداقة حقيقية، صلبة، تسمح لكل طرف أن يسحب الآخر في جولة سريعة داخل عالمه، لكن.. العمل السياسي سيصير ممنوعاً، فينغلق عالم أحدهم السري، ويتسع عالم الآخر، ومع سخونة 2005، قرر الطرفان أن.. "مصر يا رأفت". حيث كان أحدهما اسمه رأفت.

و"العمل المشترك سبيل الجميع إلى الخلاص".. كانت هذه الجملة ملخص مقال نشر وقتها في مجلة "البوصلة" التي تعبر عن اليسار الديموقراطي فيما يقرأها شباب الإسلاميين، المقال نقلته جريدة "الدستور" والتي لم يكن أحد يعلم، لأي تيار تنتمي. العدد الأول من الإصدار الثاني ملأت صفحته الأخيرة صورة "جيفارا"، فيما كتب في الصفحة الأولى تحت اسم الجريدة "استعنا ع الشقا بالله".

ويذكر التاريخ أن إخوة جامعة القاهرة اختاروا لعامهم الدراسي شعار "قوم يا مصري". في إشارة إلى أن "خيبر خيبر" لم تعد شعاراً مناسباً، وفي يقين تكون عند البعض منهم، أن القضية تخص "مصر" الآن، وداخل مصر، يوجد كل السهرانين في وسط البلد.. حتى مطلع الفجر.

ويذكر التاريخ، في هامشه، أن افتتاح سلسلة مواقع "يوتيوب" و"فيس بوك" و"بلوجر"، سمح لأبناء وسط البلد غير الأشقاء، بتبادل الأفكار والكتب والموسيقى والأفلام والمقالات والصور. مع العلم، أنه مع مطلع الألفية، كان بعض الإخوة قد تراجعوا عن "تحريم" الأشياء السابقة، وظهرت فتاوى تجيز الفرجة والسمع. وتؤكد أن يوتيوب ليس موقعاً إباحياً. رغم أنه سيصبح كذلك بعد قليل.

(3)

علماء الجغرافيا الإجتماعية، وهو علم يمكن حال اكتشاف القارئ أنه غير موجود، أن يعتبره صار موجوداً منذ اللحظة، هؤلاء، أعلنوا حيرتهم في تصنيف بضعة أماكن.

"سيلانترو" مثلاً، "كوستا" و"بينوس"، "باكري" و"كلومبوس"، "سينابون". ساقية الصاوي ومسرح روابط، التكعيبة والبورصة والـ"خن" و"منه فيه" والندوة الثقافية. مسرح الجنينة، "مكان"، "كونست"، المركز الثقافي الفرنسي، "سيداج". الهناجر، الأوبرا ومركز الإدباع، الأماكن التي نعرف أنها من الممكن أن توضع في ذات القائمة..

هل يمكن وصف "سيلانترو" باعتباره مقهى متحرر يجمع الشباب الحر الليبرالي، الذي يقرأ الإنجليزية، ويعرف "ميلان كونديرا" ويحمل اللاب توب، ويرتدي بناطيلاً ساقطة، ويصاحب فتيات غير محجبة؟.

وهل يمكن اعتبار ساقية الصاوي مسرح للفنون الحرة، التي لا تقومها رقابة، أو تمنعها إدارة؟. وما علاقة مسرح للفنون بـ"طارق سويدان" الداعية الإسلامي الذي يقيم فيه لقاءاً سنوياً مع الشباب. وعلى خطاه يسير مصطفى حسني ومعز مسعود وغيرهم من الدعاة الجدد.

وهل مقاهي وسط البلد مكان يخص الشيوعيين وحدهم؟، على الأقل تلك هي الصورة التي يعرفها البعض، منذ افتتاح قهوة "ريش"، حتى إذاعة فيلم "الكرنك" على روتانا سينما في 2005 أيضاً.

بالطبع حين نذكر "الشيوعيين"، فإننا نقصد الأبناء الشرعيين لوسط البلد إجمالاً. نعلم جميعاً أن "شيوعي" هو الوصف الذي يستحقه كل يساري مصري، بغض النظر عن التيار الذي قرر الإنتماء إليه. فالشعب المصري خلقه أضيق من أن يعرف الفرق بين الناصري والتجمعي. ولنا في "فوزية البرجوازية" عبرة، لمن لم يعتبر حتى الآن.

يمكن أيضاً في 2005، وما حولها من أعوام، التأريخ لميلاد بعض الحركات السياسية غريبة الأطوار. مثلاً بدأ البعض يدعو لمناهضة "العولمة". وتم تدشين "مؤتمر القاهرة" وهو تكتل لمناهضي "الإمبريالية العالمية" و"العنصرية". وسوف يستخدم لاحقاً، للتعبير عن رفض ممارسات النظام ضد الإخوان، وبالتحديد المحاكمات العسكرية 2007.

سيمارس المدونون هواياتهم في مسح كل خط فاصل، وسيصبح وسط البلد بمرور الوقت يشبه علامة مد. تمتد يميناً ويساراً دون أن يعترض أحدهم. وسيمر أحد الأجانب. وكان قد سافر للخارج عشر سنوات ماضية. سيمر صدفة أمام التكعيبة. وسيرى الأخ بجوار الرفيق. والمحجبة تدخن السجائر. وسيفهم وحده أن "مسرح الشارع" صار متسعاً للجميع. وأنها مسرحية جديدة تنتمي لنوعية "الخيال العلمي". وسيبوح لصديقه بأنها "بايخة قوي". صديقه هذا ينتمي لتنظيم "30 فبراير" وسيكون اسمه موجوداً بالطبع في دعوة الإضراب على الفيس بوك إبريل 2007.

بعض الأجانب صاروا يقابلون شباب الملتزمين في المركز الثقافي البريطاني. وسيسافر بعضهم لتركيا وفرنسا والدنمارك وألمانيا. وسيظهر "ملتقى الشباب العربي" وستطبع الدستور صورة حسن نصر الله في بوستر منفصل لدعم المقاومة اللبنانية. في حرب تموز 2006.

يلتقي المدونون في إفطار جماعي كل رمضان. ويعتبر البعض الإفطار دليل على أن الكل صائم، ويسجد أبناء الرب شكراً. على استجابة الدعاء القديم.

وستكون هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها علماء "جغرافيا المكان" عن "العولمة".
(4)

أمر في وسط البلد. فأجهل المكان. أتوه. وأنا العالم بمواطن جغرافيتها القديمة.
أتجاوز التكعيبة. وأخشى مقابلة أحدهم.
أجلس في ركن ضيق بمقهى مهجور. وأطلب من صديقة مخلصة أن تروي لي حكايات وسط البلد. وأكتفي بمراقبة الموقف من الخارج.
فلم أعد أعرف. إلى أين يجب أن ننتمي؟
"العيال الأخلاقية" في كل مكان.

الثلاثاء، أغسطس 18، 2009

هموم الحياة

لا شيء يكتب على الفيس بوك. لا جديد. فقدت كل الجمل قدرتها على الإبهار. ومعظم الإفيهات باتت قديمة مملة. كإفيهات "صعيدي في الجامعة الأمريكية" أو اسوأ قليلاً.

سيكون من المفيد إنشاء موقع أو خدمة. ترسل لزبائن الفيس بوك كل يوم جملة جديدة تصلح لوضعها مكان السؤال الذي يطرح نفسه عليك مع كل "ريفرش"... "What is on your mind?".

ثم أن الإنترنت بطيء. يومين ثلاثة لتنزيل فيلم جديد. وساعة لضرب ألبوم موسيقى لفرقة تونسية. كيف تستقيم الحياة مع الإنترنت البطيء. وأي "ADSL" هذا الذي لا يـ"AD" ولا يـ"SL" من جوع أو داونلود.

ربما سرعة خطك بطيئة عن باقي خطوط البشر. تذهب إلى سيلانترو.. جنة الله في كافيهات الأرض. تجلس. تفتح اللاب توب. تحاول أن "تدلف" إلى الإنترنت بسهولة وليونة. فتكتشف أن تحالف موبينيل وإتصالات وسيلانترو يقف أمامك. اطلب كارت. ادخل على الموقع. سجل. انتظر تفعيل الخدمة. ثم تصل للإنترنت بعد نصف ساعة لتكتشف أنك قد نسيت ما كنت تريده أساساً من الإنترنت وصفحاته.. فتغمغم في آداء كوميدي "يقطع النت ع اللي بينتتتوا عليه".. فتتذكر "طير أنت".. وتذكر نفسك بمأساة أخرى.. الأفلام الجيدة في تناقص.. ودخول أفلام مثل "العالمي" مغامرة غير مأمونة.

وعلى ذكر سيلانترو. هل ذهبت إلى هناك مؤخراً. هل لاحظت ضياع كل المميزات. هل اكتشفت أن الأسعار أصبحت مستفزة. وأن ابتسامة العاملين انطفأت. وأن ورقة الحساب أصبحت تأتي دون أن تطلبها. وأن الإسبرسو التي طلبتها منذ ربع ساعة جاءتك باردة. وأن تي شيرت مقدمها لم تغسل منذ أسبوع. أين راح سيلانترو الجميل. كيف يمكن أن تستمر الحياة بدونه؟. أين أشرب الـ"شيري كولا" بعد اليوم؟.

الكولا.. وما أدراك ما الكولا. على المحور يوجد إعلان عن الـ"سمارت كومبو". وهو عرض جديد من "كوك دور" عبارة عن ساندوتش وسط. وبطاطس وسط. وزجاجة كوكاكولا متوسطة الحجم، رشيقة تكاد تشربها دون أن تفتحها. فإن فتحتها. تكاد تدلقها حتى وأنت تمسكها بشكل مستقيم.

زجاجة الكوكا الجديدة مصممة بخطأ ما. يجعلها تفور بسرعة فور أن تفتحها. تاركة آثار جريمتك الـ"كوك دورية" في كل مكان. فإن نظفت آثارها. تركت قدر من "التلزيق" هنا وهناك. الحل أن تفتحها برفق. وبعناية فائقة. كأن بها "مية نار" أو "لبن عصفور". وهي طريقة نسبة نجاحها كبيرة. لكن توقع قدر من الفشل في بعض المرات.

وبذكر الكوكا. دعنا نتحدث عن علب الكولا المتسخة عند الحواف. تغسلها. تنظفها. تجلب منديلاً وتصنع منه طرفاً مدبباً. تدخله بين الحواف وتديره للوصول لأية شوائب متراكمة في الداخل. وتشرب. لكن ستظل أفكارك السوداء تلعب في عقلك.. هل أشرب كولا نقية.. هل نظفت العلبة جيداً.. أم أن أنفلونزا الـ"كانز" ستصيبني.. وسأتحول بمرور الوقت إلى فتاحة بيبسي تالفة.

الكانز يجعلني أفكر في إعلان كبير على المحور. به ثلاثة علب كانز كبيرة مجسمة تدور طوال الوقت. أحفظ شكل اللوحة. حين أقف تحتها كل يوم نصف ساعة على الأقل. في سيارة بدون تكييف.. في المرة التي قررت فيها الكشف على تكييف السيارة.. أدخل الفني مفك كبير في أحشاء الموتور.. سمعت صوت هواء يندفع للخارج.. انتظر قليلاً حتى هدأ الصوت تماماً.. وقال "باشا.. العربية كدة مفيهاش فريون.. لازم تتشحن.. هنعوز 130 جنيه"..

وبذكر المحور والكولا معاً. تجدر الإشارة إلى برنامج "عيش صباحك مع كوكا كولا".. وهو فقرة إعلانية تبدأ في الثامنة.. وتنتهي في العاشرة. وهو برنامج مميز.. حيث تذاع تنويهات عنه طول اليوم على نجوم إف أم.. وفي التنويه تسمع المذيع يستيقظ في الخامسة صباحاً مكرهاً كي يصل للإذاعة في الموعد.. تسأل نفسك كل صباح.. ولماذا كل هذا العناء.. مذيع ومذيعة يستيقظان في الخامسة فقط لقول خمس أو ست جمل بين 250 إعلان متتتاليين. أي ظلم هذا.

تسأل نفسك. ما الذي يمكن تقديمه لدولة مثل مصر لتجيز عدد أكبر من إذاعات الترفيه على الراديو؟. ولأي مدة سيستمر أسرنا في نجوم إف أم. الجميلة الرائعة المتنوعة.. بالإعلانات وبرامج الرعاية.

أنزل من المحور. ميدان لبنان. أمرق سريعاً من الإشارة الأولى في شارع لبنان. هي أغبى إشارة في مصر بشهادة كل من وقفوا يوماً بها. أربعة عساكر وضابط.. دون أي سيطرة. انتهز فرصة فتح الإشارة للجري. لو قرر الضابط سؤالي عن رخصي. فسيقع على الأرض من الضحك.. رخصتي انتهت من عام.. وسحبت منذ تسعة أشهر.. ولم أجددها.. سيصنعون لي تمثالاُ في إدارة مرور شبرا.

في المسافة من شارع لبنان للمكتب. أقلب في شرائطي وأبحث عن شيء جدير بالإستماع.. وسط البلد.. الليلة الكبيرة.. أنغام.. فضل شاكر.. شيرين.. عبد الفتاح الجريني.. حفظت كل الأغاني والألحان.. اليوم أرسلت لعمرو عزت.. وهو شخص تدور حوله بعض الإشاعات والأقاويل.. مفادها أنه على إطلاع بجديد الموسيقى وحديثها.. أرسلت أرجوه.. "والنبي يا عمرو باشا.. أبوس إيد كل مواطن أمبابي.. تراكين مزيكا محترمين اسمعهم لحسن أنا وداني هتتسد من التكرار".. جاء رد عمرو الكريم بقائمة طويلة من الروابط التي حال تنزيل ما بها من ملفات، يمكن الوصول لموسيقى جيدة.. أجرب الضغط. وأعود لأكتشف أن سرعة الإنترنت ستجعلني أسمع أول أغنية بعد أسبوع.

وبذكر إمبابة.. لنتحدث عن البرنس. أجمل مطاعم الكبدة في العالم. وواحد من أفضل الأماكن التي يمكن أن تأكل منها وفيها. لكنك تذكر وأنت تأكل هناك.. أن أفضل المطاعم في مصر عشرة أو عشرين.. تكتشفها في عام. وتستمتع بها عام ثاني.. وتنتهي الحكاية. لتكتشف أن الطعم المدهش اختفى. وأنك عرفت الأماكن المميزة وحفظتها وأنه لا جديد فوق ترابيزة الأكل. فيتساوى كوك دور مع سبكترا وسمسمة مع أبو شعراوي والبرنس مع بلبع وإلخ.

تكتشف، بمرور الوقت، وبانتهاءك من كتابة الصفحتين السابقتين. أنك تافه أكثر مما ينبغي. فهموم حياتك أبسط من أن تكتب. لكنك في الوقت نفسه، تؤمن بها، وتتألم لها. وتنظر لهؤلاء الذين يتحدثون عن همومهم المعتادة. الفقر والمرض والفساد، باعتبارها "هموم حقيقية"، بأنهم أشخاص مدعين في مجملهم. وأن الهم الحقيقي. هو الذي يمنع صاحبه من "عيش اللحظة". ما الذي يمكن أن أستفيده بديموقراطية حقيقية في مصر، وأنا لا زلت أبحث عن جملة جديدة أضعها على الفيس بوك؟.